النويري

297

نهاية الأرب في فنون الأدب

والحال الرابعة - أن يرى المحتسب انعقاد الجمعة بهم ولا يراه القوم ، فهذا مما في استمرار تركه تعطيل الجمعة مع تطاول الزمان وبعده وكثرة العدد وزيادته ، فهل للمحتسب أن يأمرهم بإقامتها اعتبارا بهذا المعنى ، أم لا ؟ فقد اختلف الفقهاء في ذلك على وجهين : أحدهما - وهو قول أبي سعيد الإصطخرىّ - أنه يجوز له أن يأمرهم بإقامتها اعتبارا بالمصلحة ، لئلَّا ينشأ الصغير على تركها فيظنّ أنها تسقط مع زيادة العدد كما تسقط بنقصانه ؛ فقد راعى زياد بن أبيه مثل هذا في صلاة الناس في جامعي البصرة والكوفة ، فإنهم كانوا إذا صلَّوا في صحبه فرفعوا من السّجود مسحوا جباههم من التّراب ، فأمر بإلقاء الحصى في صحن المسجد ، وقال : لست آمن أن يطول الزمان فيظنّ الصغير إذا نشأ أنّ مسح الجبهة من أثر السجود سنّة في الصلاة . والوجه الثاني - أنه لا يتعرّض لأمرهم بها ، لأنه ليس له حمل الناس على اعتقاده [ 1 ] ، ولا أن يأخذهم في الدين برأيه ، مع تسويغ الاجتهاد فيه ، وأنّهم يعتقدون أنّ نقصان العدد يمنع من إجزاء الجمعة . فأمّا أمرهم بصلاة العيد فله أن يأمرهم بها . وهل يكون الأمر بها من الحقوق اللازمة أو من الحقوق الجائزة ؟ على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي فيها : هل هي مسنونة أو من فروض الكفاية . فإن قيل : إنها مسنونة ، كان الأمر بها ندبا ؛ وإن قيل : إنها من فروض الكفاية ، كان الأمر بها حتما . فأمّا صلاة الجماعة في المساجد وإقامة الأذان فيها للصلوات ، فمن شعائر الإسلام وعلامات متعبّداته التي فرّق بها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بين دار الإسلام ودار الشّرك . فإذا أجمع أهل محلَّة أو بلد على تعطيل الجماعات في مساجدهم وترك الأذان

--> [ 1 ] كذا في الأحكام السلطانية . وفى الأصل « على انعقاده » وهو تحريف .